مقالات

​الحلقة الثانية: (أبو حجار).. حينما تُصنع التنمية من خارج الصندوق

​بقلم: محمد العاقب

  • تجوال نيوز

 

ضمن ملف: صفر التراخي

​في الحلقة الأولى، وضعنا أيدينا على الفلسفة التي أطاحت بجمود المحليات في ولاية سنار. اليوم نغوص في (المختبر) حيث تحولت الرؤية إلى حديد وفولاذ، وحيث أثبتت محلية أبو حجار أن الإدارة ليست مجرد توقيعات في دفاتر، بل هي اشتباك يومي مع التحديات لتحويلها إلى أصول تنموية.

​من (وعد) في الصهباء إلى (واقع) ملموس

بدأت فكرة شراء آليات للطرق من زيارة ميدانية لمنطقة (الصهباء) نهاية عام 2025، حيث أطلق المدير التنفيذي للمحلية عبد اللطيف يوسف آدم والذي تسلم مقاليد الحكم المحلي في أبوحجار في شهر مايو من العام ٢٠٢٥م، وعداً بفك عزلة المنطقة بطريق ردمية، حينها كانت الميزانية الكلية للمحلية لا تتجاوز المليار و200 مليون جنيه، وهو رقم قد يراه البعض مبرراً كافياً للتقاعس؛ لكن في قاموس (عبد اللطيف)، كان العجز هو المحفز لاقتحام المستحيل.

​هندسة الموارد: قفزة الـ 200%

لم يكتفِ الفريق الإداري بمحلية أبوحجار بالتحسر على شح الموارد، بل أعاد هندسة الإيرادات عبر خطة استراتيجية استخدمت فيها الشفافية كوقود؛ حيث تم تجديد عقودات الأسواق التي ظلت مهملة لسنوات، وتفعيل تحصيل الثروة الحيوانية (القطعان) التي حصدت أرقاماً قياسية (قفزت من 100 مليون في ٢٠٢٥م في الخطة إلى متحصل في ٢٠٢٦م يقارب التريليون بالعملة القديمة).
كانت عقلية (رجل الدولة) حاضرة بتخطيط وقناعة، وبدلاً من توزيع الإيرادات في بنود التسيير الهامشية، تم فتح حساب خاص للتنمية، ورفعت الميزانية لعام 2026 بنسبة 200%، لتصل إلى 3 مليارات و365 مليون جنيه، مع تخصيص 60% منها للتنمية، في سابقة أثارت دهشة وإشفاق المراقبين الماليين بالولاية.

​اقتحام السوق: ولادة الوحدة الهندسية

استطاعت المحلية في الأشهر الثلاثة الأولى من العام أن تتحصل 700 مليون جنيه للتنمية فاتجهت لشراء آليات الطرق. وحينما تعثر التمويل البنكي بسبب الظروف الاستثنائية، لم يتوقف قطار (أبو حجار)؛ بل تحركت لجنة كبرى تضم جهات الاختصاص بما فيها وزارة المالية والتخطيط العمراني والمستشار القانوني، وتم (اقتحام السوق) بقرار شجاع، لتشتري المحلية آليات ثقيلة (2 قلاب، قريدر، لودر وباك لودر) وفي المرحلة الثانية تم شراء (حفار، وبوكلن ورشاش) وتم توفير آليات قوالب لصناعة المواسير الخرصانية أو العبارات بتكلفة كلية للآليات بلغت تريليون و150 ملياراً جنيه. لم تكن هذه مجرد معدات بل كانت نواة لأول وحدة هندسية استثمارية في تاريخ محليات السودان، تضم حتى (إدارة للتنمية) لضمان استدامة التخطيط وفق التوقعات المالية.

​الجهد الشعبي: ثقة بلا حدود

أجمل ما في هذه التجربة هو تفاعل المواطن؛ فبعد أن رأى أمواله تتحول إلى آليات تشق الطرق وتفتح الحفائر وتصنع العبارات الخرسانية، تضاعف الجهد الشعبي؛ حيث رفعت المحلية مستهدفه في خطة 2026 إلى ترليون و600 مليون جنيه بدلاً عن 240 مليوناً في خطة 2025، محققةً منها حتى شهر مايو 780 مليون جنيه. وبدأ طريق (الصهباء) في التنفيذ بتمويل من الجهد الشعبي بحوالي 2 ألف جالون وقود، مع استغلال توسعة الحفائر لمعالجة أزمات المياه التي ظهرت العام الماضي باستخراج التربة لردم الطريق..لقد أصبح المواطن حارساً للتنمية لأنه بات يرى ثمار مساهمته في كل شبر.

​خلاصة التجربة.. ومستقبل الطموح

تؤكد تجربة أبو حجار أن المحليات ليست فقير، بل هي (فقيرة الأفكار). واليوم لا تتوقف الطموحات عند هذا الحد، بل تخطط المحلية لشراء (درداقة) أي (مندالة طرق) وسطح ناقل للبوكلن بنهاية شهر يونيو الجاري، لتعزيز كفاءة الوحدة الهندسية.

بقى أن نقول: إن إنشاء هذه الوحدة الهندسية التي تخدم المحلية وتستعد للاستثمار وتأجير آلياتها، هو الدرس البليغ الذي تقدمه أبوحجار للسودان، وعندما تُدار أموال المواطن بعقلية (المستثمر الأمين) لا تقف الحروب ولا الأزمات عائقاً في وجه الإعمار.
وإن ملف (صفر التراخي) ليس مجرد توثيق لنجاحات محلية، بل هو دعوةٌ مفتوحة لكل مسؤول في كل بقعة من بقاع السودان؛ ليدرك أن التنمية ليست رهينة للظروف، بل هي قرارٌ يتخذه الشجعان. ففي قاموسنا الجديد: نحن لا ننتظر الميزانيات، نحن نصنعها.. ولا ننتظر الفرص، نحن نقتحمها. فبينما يغرق الآخرون في الأعذار، تختار (أبو حجار) أن تحفر في الصخر؛ لأننا نؤمن أن الوطن لا ينهض إلا بكسر حاجز المستحيل.
​نلتقي في الحلقة القادمة لنرى كيف تمددت هذه (العدوى الإيجابية) إلى محليات أخرى، وكيف تتحول ولاية إلى نموذج إداري يُحتذى به في زمن الشلل التنموي.

 

#صفر_التراخي
​#السودان_يقاوم
​#مبادرات_تنموية
​#إرادة_الحياة
​#نموذج_يحتذى

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى